فوزي آل سيف
87
معارف قرآنية
حول تاريخ العرب وآدابهم ، في الكتاب الأول حول القرآن الكريم عندما حاول أن يفسّره نقل بعض الكلمات فلم يعرف اشتقاقها الصحيح الأصلي ومن الطبيعي أنه سيشتبه عليه المعنى إذا لم يعرف الاشتقاق ، فهو عندما وصل إلى آية (إِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ ) قال : ( مرضى ) اشتقاقها من الرضا رضي يرضى مرضيًا ومرضى ، بينما من الواضح أنّ اشتقاق (مرضى ) من كلمة ( مرض يمرض فهو مريض وهم مرضى ) أمّا تلك فهي رضي يرضى فهو مرضي وهو راضي فإن اختلط على أحدهم الأمر.. ربما يقول وإن كنتم مرضى يعني إن كنتم مرضي عنكم أي محل رضا من الآخرين.. وكذلك في مثل قوله تعالى فيما يرتبط بنساء النبي ( وقرن في بيوتكن ) ( قرْن ) هي مشتقة من ( قرّ يقرّ مستقرٌ وقار ) يعني ( أقرْرن ) ابقين في بيوتكن وليكن لديكم استقرار في البيوت ، لكنّه لم يفهم الاشتقاق الصحيح منها وقال (قرْن ) من ( الاقتران قرن يقرن فهو مقترن ) وهذا المعنى يختلف عن ذلك المعنى، وهذا الاختلاف في تفسير الكلمة ناشىء من عدم معرفته بتصريف الفعل ، إذ أنّ كثيرًا من المستشرقين لغتهم العربية ليست أصيلة ولم يستطيعوا معرفة جهات البلاغة والاشتقاق فلجأوا للتفسير غير الصحيح ، لذا يجب أن يكون المفسّر على دراية بعلوم اللغة العربية من نحو وصرف وبلاغة ، لأنه بعدم معرفته سيخرج بنتائج غير صحيحة وقد يضلّل الآخرين بهذه النتائج. 2/لا بدّ أن يتعرّف على معاني هذه الألفاظ ولو بالرجوع للمعاجم اللغوية ، ولا بدّ أن تكون لديه القدرة على اكتشاف المعاني الأصوب والأصلح ، فإن لم يكن لديه القدرة على فهم هذه الألفاظ ومعانيها ولم يكن لديه القدرة على ترجيح المعاني الموجودة في كتب اللغة عندئذ لا يستطيع في هذه الحالة أن يصبح مفسرًا مثلاً في قول الله عز وجل (وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ).. والكثير يسأل عن هذه الآية ويقول بأنكم تقولون بعصمة الأنبياء فكيف عصى آدم ربه وغوى؟ فكيف يكون معصومًا ؟ ( عصى ) في اللغة العربية في أصلها بمعنى مطلق المخالفة والمخالفة قد تكون في أمر واجب وجوبًا تكليفيًا ، وقد تكون لأمر إرشادي ، وقد تكون لشيء مستحب ، وقد تكون نصيحة ، هنا لا تؤخذ كلمة بالمعنى الظاهري عصى من العصيان ، بل بمعنى المخالفة وهنا خالف النصيحة ، ومخالفة النصيحة لا تؤدي إلى نار جهنم ، فلو خالفنا نصيحة الطبيب مثلاً عندما نصحنا بترك السكريات لاحتمال الإصابة بالسكر فهل مخالفة هذه النصيحة تعتبر عصيانًا تستحق عليه دخول نار جهنم ؟ بالطبع كلا ، إذًا معنى (عصى ) في الآية بمعنى خالف النصيحة ، ويسمى عصيان في اللغة العربية لكنه مخالفة لأمر ارشادي ، وكذلك ( غوى ) هي بمعنى الغواية أي الضلال الموجب للعذاب ، لكنّ لها معنى الخيبة والخسران والفساد والجهل ، لكن بأي معنى استخدمها القرآن الكريم هل بمعنى الخيبة وفساد الأمر وعدم استمرار آدم في الجنة والبقاء فيها ( وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ) إذن لا بدّ من الرجوع إلى اللغة العربية ومعرفة معاني الكلمات ودلالاتها التي قد تجعل المعنى يختلف ، وبالتالي سيكون قادرًا على اختيار المعنى الأصوب والأصلح والأنسب للآية الكريمة .